-->

تركيا إلى أين ...؟

 



تركيا إلى أين......!


لا شك ان تركيا دولة لها تاريخها العريق حيث كانت مركزاً للحكم العثماني حتى عام 1922إلى حين خلع السلطان العثماني وتولي مصطفى كمال اتاتورك رئاسة البلاد في عام 1923 شهدت خلالها البلاد نقلة نوعية من بلد كانت مركزاً للخلافة ألإسلامية إلى دولة علمانية مناهضة للدين بكافة اشكاله .


شهدت تركيا على مر السنين تقلبات في الحكم من خلال الانقلابات التي قادها العسكريين حيث أدى الصراع على السلطة إلى جعل تركيا بلد النزاعات السياسية الداخلية مما قلص دورها الاقليمي إلى حين ظهور حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب اردوغان .في بداية حكم حزب العدالة والتنمية أُتبعت سياسة " الصفر مشاكل " في كافة ألأصعدة , حيث وفرت هذه السياسة انفتاحاً لتركيا على الصعيد العالمي, وحالة إستقرار حتى على مستوى صراعها مع حزب العمال الكردستاني, وانعكس ذلك على مستويات النمو والتطور على شكل واضح, واستطاعت تركيا ألوصول إلى ألأسواق العالمية ومصادر الثروة بشكل سلس دون أدنى عقبات, وبتسهيلات من الفاعلين ألإقليميين والدوليين.


لكن مع إستقرار ألإقتصاد التركي ونمو قوة تركيا العسكرية إنخرطت تركيا في العديد من الملفات ألدولية الساخنة, وفي خلال سنوات قليلة وسعت تركيا دائرة تحركها نحو العديد من الجبهات وشمل نشاطها ألتدخلي منطقة واسعة تمتد من ألشرق ألأوسط وصولا إلى آسيا ألوسطى والقوقاز والقارة ألإفريقية وهي دوائر تمتلك تركيا خبرة قديمة فيها, منذ أيام الدولة العثمانية , ومن هنا ذهب الكثير من خبراء السياسة إلى وصف التحرك التركي الحالي بأنه محاولة لإحياء وبعث للدولة العثمانية.


وتكشف مسارات التحرك التركي على التركيز على اربع محاور, هي من حيث الاهمية كالتالي :


- الدائرة الشرق أوسطية, حيث تسعى تركيا إلى بناء مناطق نفوذ في حديقتها الخلفية ( سوريا والعراق ) وغالبا يأخذ التحرك ضمن هذه الدائرة طابعاً أمنيا, نظراً لوجود مخاطر أمنية تمس ألأمن القومي التركي.

- ألدائرة ألإفريقية , وتشمل مناطق شمال افريقيا وليبيا وغرب أفريقيا, بالإضافة إلى تواجد إستراتيجي في شرق أفريقيا حيث توجد لتركيا قواعد عسكرية في ألصومال وجيبوتي.

- دائرة آسيا ألوسطى, وهي مجموعة ألدول التي خرجت من الفلك السوفيتي وترتبط مع تركيا برابط عرقي كأذربيجان وتركمانستان وأوزباكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان.

- دائرة القوقاز والبلقان, وهناك ايضا نجد ارتباطات عرقية ودينية لتركيا ونذكر من هذه البلاد ألشيشان وألبانيا والتي تتسم بإنتشار الدين الإسلامي مما يقرب هذه البلدان الى تركيا.


يأتي تحرك تركيا ضمن هذه الدوائر في إطار رؤية تركيا لنفسها بأنها دولة مركزية وفاعل دولي ذو سياسة خارجية معقدة ومتشابكة الأبعاد, في إطار نظرية ألعمق ألإستراتيجي والتي تعد المحرك الابرز للسياسة التركية والتي ترتكز على أن تركيا دولة متعددة ألأحواض القارية, ألأمر الذي يمنحها عمقاً إستراتيجياً في ألدوائر ألمذكورة, ويلعب موقعها ألإستراتيجي الحاكم بين قارتي آسيا وأوروبا, وإطلالتها على أفريقيا دوراً مهماً في هذه النظرية.


وليس غريباً أن تلعب ألمؤثرات الجغرافية والتاريخية دوراً مميزاً في صياغة ألسياسات ألخارجية للدول, بل ان الدول التي لا تعي هذه ألأبعاد في واقعها وتترجمها في سياستها ألخارجية, تفوت على نفسها فرصة ألإستفادة من الفرص التي يتيحها هذا الواقع, وخاصة إذا ما أضفنا لتلك المعطيات حقائق أخرى من نوع السكان والثروات ألإقتصادية والقدرات العسكرية, وهي جميعها معطيات متوفرة بدرجة جيدة بالنسبة لتركيا.


لكن ما يثير التساؤل, هو قدرة تركيا على تحقيق مكاسب في ظل زخم سياستها الخارجية المنفتحه على آفاق عديدة وألاهم كيف يمكن لتركيا أن تضع سلامة تحركاتها في ظل بيئة دولية متصارعة الى حد بعيد, وهل تستطيع تركيا إدارة هذا الزخم بدون تكاليف عالية ؟ أو بصيغة أخرى هل تملك تركيا ألإمكانيات ألكافية للتعامل مع جميع هذه الملفات في مواجهة خصوم أقوياء؟


تملك تركيا ثلاث عناصر قوة تدعم تحركاتها ضمن الدوائر المشار إليها, وهي عنصر ألقوة ألدبلوماسية ألناتجة عن خبرة عريقة لمؤسسة مستقرة منذ أمد بعيد, وتجربة في إدارة العلاقات مع فاعلين مختلفين وفي ظروف مختلفة, والقوة ألعسكرية حيث يصنف الجيش التركي بتاسع أقوى جيوش ألعالم وثاني اكبر جيش في حلف الناتو بعد الجيش ألأمريكي, مع أصول عسكرية متطورة وصناعات واعدة في هذا المجال , والعنصر الثالث هو ألقوة ألإقتصادية, حيث تصنف تركيا من بين أقوى عشرين إقتصاد في ألعالم, بناتج محلي بلغ 850 مليار دولار, وتشهد تركيا نسب نمو مرتفعة بالإضافة الى تطور هياكل إنتاجها وتنوع قاعدة إقتصادها.


ولكن لا يخفى على أحد ان مثل هذه السياسات والإنخراط في ألأزمات الإقليمية والدولية تكاليف باهظة, لم تسلم منها أقوى القوى في عصرنا الحديث وأقرب مثال (ألإتحاد السوفيتي) ألذي تكلف أثمانا فاقت قدراته ونتج عن ذلك تفككه, فإلى أي مدى تستطيع تركيا توسيع سياستها الخارجية واصطدامها مع لاعبين كثر, وبين الحفاظ على مصالحها وعناصر قوتها؟ لا شك أن هذا ألأمر سيكون ألأثر ألكبير في إتجاهات ألسياسة ألتركية في ألمرحلة ألقادمة.


إلى ألان وللأمانة تدير تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان أللعبة بإتقان وبمهارة عالية لكن يبقى السؤال الاكبر تركيا الى أين ......


No comments:

نموذج الاتصال

Name

Email *

Message *